فصل: من فوائد الشعراوي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)}.
عندما يذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم.. العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة.. وذلك أن المقابلة ترينا الفرق.. وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة.. لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط.. بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم.. ولذلك يقول سبحانه: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران: 185].
إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين.. أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف وهذا فوز عظيم.. يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله.. يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما.. لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار.. فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه.. فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان هذا فوزًا آخر.. ولذلك حرص الله تبارك وتعالى أن يعطينا المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز.. ولم يقل من أدخل الجنة فاز.. بل قال: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}.. وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا المقارنة. اهـ.

.فوائد مهمة:

قال في صفوة التفاسير:
الفائدة الأولى: تحريف كلام الله، يكون بتأويله تأويلا فاسدا، ويكون بمعنى: التغيير وتبديل كلام بكلام، وقد وقع من أحبار اليهود التحريف بالأمرين: بالتأويل، وبالتغيير، كما فعلوا في صفته صلى الله عليه وسلم، قال العلامة أبو السعود: روي أن أحبار اليهود خافوا زوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة، وكانت هي فيها حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العينين، أبيض، ربعة الخ، فغيروها وكتبوا مكانها طوال، أزرق، سبط الشعر فإذا سألهم العامة عن ذلك قرءوا ما كتبوا فيجدونه مخالفا لما في التوراة، فيكذبونه.
الثانية: التحريف بقسمية وقع في الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل كما قال تعالى: {يحرفون الكلم عن مواضعه} أما التحريف بمعنى التأويل الباطل فقد وقع في القرآن، من الجهلة أو الملاحدة.
وأما التحريف بمعنى إسقاط الآية ووضع كلام بدلها، فقد حفظ الله منه كتابه العزيز بقوله سبحانه: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} والحمد لله أن الله تكفل بحفظه بنفسه، ولم يتركه للخلق، كما هو شأن التوراة والإنجيل.
الثالثة: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لما فتحت خيبر، أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجمعوا لي من كان من اليهود هنا»، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقي فيه؟» قالوا: نعم، يا أبا القاسم، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: «من أبوكم؟» قالوا: فلان قال: «كذبتم، بل أبوكم فلان»، فقالوا صدقت وبررت يا أبا القاسم، ثم قال لهم: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن أهل النار؟» فقالوا: نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها!! فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا»، ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه؟» قالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هل جعلتم في هذه الشاة سما؟» فقالوا: نعم، قال: «فما حملكم على ذلك؟» فقالوا: أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرك؟. اهـ.

.فوائد بلاغية:

أولا: قوله تعالى: {وهم يعلمون} جملة حالية مفيدة لكمال قبح صنيعهم، فتحريفهم للتوراة كان عن قصد وتصميم، لا عن جهل أو نسيان، ومن يرتكب المعصية عن علم، يستحق الذم والتوبيخ، أكثر ممن يرتكبها وهو جاهل بحكمها وبشناعتها.
ثانيا: قوله: {يكتبون الكتاب بأيديهم} ذكر الأيدى هنا لدفع توهم المجاز، وللتأكيد بأن الكتابة باشروها بأنفسهم، كما يقول القائل: كتبته بيميني، وسمعته بأذني، ورأيته بعيني، فهي لزيادة التأكيد، وتقرير الجناية.
ثالثا: قوله: {ما يسرون وما يعلنون} فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالطباق حيث جمع بين لفظتي {يسرون} و{يعلنون} وهو من نوع طباق الإيجاب، وهو أن يأتي باللفظ وضده، كقوله تعالى: {أضحك وأبكى}.
رابعا: التكرير في قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب}.
وقوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم} وقوله: {وويل لهم مما يكتبون} تكرار الويل: للتوبيخ والتقريع، ولبيان أن جريمتهم بلغت من القبح والشناعة الغاية القصوى.
خامسا: قوله: {وأحاطت به خطيئته} فيه استعارة لطيفة، حيث شبه الذنوب والخطايا بجيش من الأعداء، نزل على قوم من كل جانب، فأحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، واستعار لفظة الإحاطة لغلبة السيئات على الحسنات، فكأنها أحاطت بها من جميع الجهات. اهـ.

.تفسير الآية رقم (83):

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

.قال البقاعي:

ثم شرع سبحانه يقيم الدليل على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال: {وإذ} أي اذكروا ما تعلمون في كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ {أخذنا} بما لنا من تلك العظمة التي أشهدناكم كثيرًا منها ميثاقكم ولكنه أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وغيرهم فقال: {ميثاق بني إسرائيل} ويجوز أن يكون معطوفًا على {نعمتي} في قوله تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم.
ولما كان الدين إنما هو الأدب مع الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتبًا له على الأحق فالأحق فقال ذاكرًا له في صيغة الخبر مريدًا به النهي والأمر وهو أبلغ من حيث إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف {وقولوا} عليه: {لا تعبدون إلا الله} المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك إحسانًا هو الإحسان كله {و} أحسنوا أو تحسنون {بالوالدين} ولو كانا كافرين.
قال الحرالي: تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه- انتهى {إحسانًا} عظيمًا لا يبلغ كنهه، لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول والمباشرين للتربية، وغيّر السياق فلم يقل: ولا تحسنون إلا إلى الوالدين، إفهامًا لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما، لو جبر فوات هذا الحصر بتقديمهما إيذانًا بالاهتمام {وذي القربى} وهم المتوسلون بالوالدين لما لهم من أكيد الوصلة {واليتامى} لضعفهم، واليُتم قال الحرالي: فقد الأب حين الحاجة، ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ، وفي البنت إلى الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ، والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في النسب الظاهر أو الباطن- انتهى {المساكين} لكسرهم.
ولما لم يكن وسع الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنًا أمر بجعل ذلك بالقول فقال عطفًا على الخبر الذي معناه الإنشاء: {وقولوا للناس} عامة {حسنًا} أي حَسَنًا بالتحريك وهو لغة فيه كالبُخْل والبَخَل، وذلك بأن يأمروهم بما أمر الله به وينهوهم عما نهى عنه.
ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: {وأقيموا الصلاة} ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال: {وآتوا الزكاة} ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: {ثم توليتم} أي عن ذلك أو عن كثير منه، وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة {إلا قليلًا منكم وأنتم} أي والحال أنكم {معرضون} عادتكم ذلك، لم يكن ذلك منكم عن غير علم، والإعراض صرف الشيء إلى العُرض التي هي الناحية.
قال السمين: وروى عن أبي عمرو وغيره: إلا قليل- بالرفع، وفيه أقوال، أصحها رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير. انتهى.
ويأتي إن شاء الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله: {فشربوا منه إلا قليلًا منهم} [البقرة: 249] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة، قال في السفر الثاني منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكون لك آلهة غيري، لا تعملن شيئًا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب، إلهك إله غيور، أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة من أعدائي، وأثبت النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي وصاياي، لا تقسم بالرب إلهك كذبًا، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبًا.
أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تتمن بنت صاحبك، ولا تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك- وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح.
وقال في موضع آخر من السفر الثالث: لا تسرقوا، ولا تغدروا، ولا تحلفوا باسمي كذبًا، ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم، أنا الرب وليس غيري، لا تظلمن صاحبك، ولا تشتمن الأخرس، ولا تضع عثرة بين يدي الضرير، اتق الله ربك، لا تحيفوا في القضاء، ولا تأثموا، ولا تحابين المسكين ولا تحاب الكبير أيضًا بل أقض بالبر والعدل، لا تبغض أخاك في قلبك بل بكّت صاحبك ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه، ولا تحقدن على أحد بل أحبب صاحبك كما تحب نفسك، ولا تتطيروا بسنح الطير، ولا يكونن فيكم عراف، ولا تُطوّلن شعر رءوسكم، ولا تحلقوا عنافق لحاكم، ولا تخدشوا وجوهكم على الميت، ولا تكتبوا على لحومكم بالإبر، أنا الله ربكم، لا تتبعوا العرّافين والقافة ولا تنطلقوا إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا تتنجسوا بهم، أكرم الشيخ وقم إليه إذا رأيته، وأكرم من هو أكبر منك، واتق الله ربك، أنا الله ربكم، وإذا سكن بينكم الذي يقبل إليّ فلا تظلموه بل أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم، الذين يقبلون إليّ ويسكنون معكم أحبوهم كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكانًا بأرض مصر، أنا الله ربكم، لا تأثموا في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا مكاييل الحق، أنا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر احفظوا جميع وصاياي وأحكامي بها، أنا الرب وليس غيري.
وقال في الثاني: ومن تبع العرافين والقافة وضل بهم أنزل به غضبي الشديد وأهلكه من شعبي، وأي رجل شتم والديه يقتل قتلًا ودمه في عنقه؛ ثم قال بعده: وأي رجل أو امرأة صار عرافًا أو منجمًا يقتلان قتلًا، ويكون قتلهما الرجم بالحجارة، ودمهما في أعناقهما؛ وقال قبل ذلك: وكل من ضرب رجلًا فمات فليقتل قتلًا، ومن ضرب أباه وأمه فليقتل قتلًا، ومن سرق إنسانًا فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلًا، ومن شتم أباه وأمه فليقتل قتلًا، ثم قال: لا يؤذّن الساكن بينكم ولا تعقّوهم تحوّجوهم، لأنكم كنتم سكانًا بأرض مصر، ولا تؤذوا الأرامل والأيتام، فإن آذيتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى، وإن أسلفت رزقك للمسكين الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم، ولا تأخذن منه ربًا؛ ثم قال: ولا تقبلن الرشوة، فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين. اهـ.

.قال الفخر:

اعلم أن هذا نوع آخر من أنواع النعم التي خصهم الله بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم وهو الجنة، والموصل إلى النعمة نعمة، فهذا التكليف لا محالة من النعم. اهـ.

.اللغة:

{ميثاق} الميثاق: العهد المؤكد باليمين غاية التأكيد، فإن لم يكن مؤكدا سمي عهدا.
{حسنا} الحسن: اسم عام جامع لمعاني الخير، ومنه لين القول، والأدب الجميل، والخلق الكريم، وضده القبح، والمعنى: قولوا قولا حسنا فهو صفة لمصدر محذوف.
{توليتم} التولي عن الشيء: الإعراض عنه ورفضه وعدم قبوله كقوله: {فأعرض عمن تولى عن ذكرنا} وفرق بعضهم بين التولي والإعراض، فقال: التولي بالجسم، والإعراض بالقلب.
{تظاهرون} تتعاونون وهو مضارع حذف منه أحد التاءين، كأن المتظاهرين يسند كل واحد منهما ظهره إلى الآخر، والظهير: المعين.
{الإثم} الذنب الذي يستحق صاحبه الملامة وجمعه آثام.
{العدوان} تجاوز الحد في الظلم.
{خزي} الخزي: الهوان والمقت والعقوبة. اهـ.